رفيق العجم
434
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي
الرئاسة . والعارف يتعجّب منك في عكوفك على لذّة الجاه والرئاسة فإن الدنيا بحذافيرها عند العارف لهو ولعب . ولما خلقت هذه الشهوة للعارفين كان التذاذهم بالمعرفة بقدر شهوتهم . ولا نسبة لتلك اللذّة إلى لذّة الشهوات الحسّية فإنها لذّة لا يعتريها الزوال . ولا يغيّرها الملال . بل لا تزال تتضاعف وتترادف وتزداد بزيادة المعرفة والأشواق فيها بخلاف سائر الشهوات ، إلا أن هذه الشهوة لا تخلق في الإنسان إلا بعد البلوغ أعني البلوغ إلى حدّ الرجال . ومن لم تخلق فيه فهو إما صبي لم تكمل فطرته لقبول هذه الشهوات . أو عنين أفسدت كدورات الدنيا وشهواتها فطرته الأصلية . فالعارفون لما رزقوا شهوة المعرفة ولذّة النظر إلى جلال اللّه فهم في مطالعتهم جمال الحضرة الربوبية في جنة عرضها السماوات والأرض ، بل أكثر وهي جنة عالية قطوفها دانية فإن فواكهها صفة ذاتهم وليست مقطوعة ولا ممنوعة إذ لا مضايقة للمعارف . والعارفون ينظرون إلى العاكفين في حضيض الشهوات نظر العقلاء إلى الصبيان عند عكوفهم على لذّات اللعب . ولذلك تراهم مستوحشين من الخلق ويؤثرون العزلة والخلوة فهي أحب الأشياء إليهم ويهربون من الجاه والمال ، فإنه يشغلهم عن لذّة المناجاة ويعرضون عن الأهل والولد ترفّعا عن الاشتغال بهم عن اللّه تعالى ، فترى الناس يضحكون منهم فيقولون في حق من يرونه منهم أنه موسوس بل مدبّر ظهر عليه مبادئ الجنون وهم يضحكون على الناس لقناعتهم بمتاع الدنيا ويقولون إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون . والعارفون مشغولون بتهيئة سفينة النجاة لغيره ولنفسه لعلمه بخطر المعاد فيضحك على أهل الغفلة ضحك العاقل على الصبيان إذا اشتغلوا باللعب والصولجان وقد أضلّ على البلد سلطان قاهر يريد أن يغيّر على البلد فيقتل بعضهم ويخلع بعضهم . ( ج ، 50 ، 6 ) - العارف العاقل يعرف الحق . ( ضل ، 25 ، 16 ) عارفون - العارفون - بعد العروج إلى سماء الحقيقة - اتّفقوا على أنهم لم يروا في الوجود إلّا الواحد الحقّ . لكن منهم من كان له هذه الحال عرفانا علميّا ، ومنهم من صار له ذلك حالا ذوقيا . وانتفت عنهم الكثرة بالكلية واستغرقوا بالفردانية المحضة واستوفيت فيها عقولهم فصاروا كالمبهوتين فيه ولم يبق فيهم متّسع لا لذكر غير اللّه ولا لذكر أنفسهم أيضا . فلم يكن عندهم إلّا اللّه ، فسكروا سكرا دفع دونه سلطان عقولهم ، فقال أحدهم : " أنا الحقّ " وقال الآخر : " سبحاني ما أعظم شأني ! " وقال آخر : " ما في الجبة إلّا اللّه " . وكلام العشاق في حال السكر يطوى ولا يحكى . فلما خفّ عنهم سكرهم وردّوا إلى سلطان العقل الذي هو ميزان اللّه في أرضه ، عرفوا أن ذلك لم يكن حقيقة الاتحاد بل